مفهوم الديداكتيك: قضايا وإشكالات

مقال أكاديمي مبسط يعرّف الديداكتيك ويشرح هويته وموضوعه ومنهجه، وعلاقته بالبيداغوجيا وعلوم التربية، مع مناقشة القابلية للتربية والتوجه الإبستمولوجي وبراديغم التعقيد.

علوم التربيةديداكتيك الموادالبيداغوجيانظريات التعلمبراديغم التعقيد

تقديم: لماذا ندرس مفهوم الديداكتيك؟

يشهد حقل الديداكتيك تراكمًا متواصلًا على المستوى النظري والإبستمولوجي والمعرفي، وهو ما يثير أسئلة حول مفهومه وهويته وحدوده وموضوعه ومنهجه وعلاقته بمختلف علوم التربية والعلوم الإنسانية.

لا يهدف هذا المقال إلى تقديم تاريخ تفصيلي للديداكتيك، بل إلى توضيح بعض محطات تشكله، والتمييز بين مستويين في مفهومه، ثم تحليل القضايا الأساسية المرتبطة به: هل هو علم أم نموذج للفعل؟ ما علاقته بالقابلية للتربية؟ كيف يلتقي التوجه البيداغوجي العام مع التوجه الإبستمولوجي الخاص؟ وكيف يمكن تجاوز الاختزال والتبسيط في فهم التعلم والتدريس؟

الفكرة المركزية: الديداكتيك لا تختزل في طريقة تدريس جاهزة، ولا في معرفة المادة فقط، ولا في علم النفس أو البيداغوجيا؛ إنها مجال بحث يدرس وضعيات التعليم والتعلم ومحتويات المواد وطرق تنظيمها ضمن واقع تربوي معقد.
إعلان

فهرس المقال

أولًا: أرضية تاريخية مقتضبة

استعمل كومينيوس كلمة ديداكتيك في التربية أول مرة بمعنى قريب من فن التعليم، وارتبط ذلك بكتابه «الديداكتيك الكبرى» الصادر سنة 1657. ثم وضع هربارت خلال القرن التاسع عشر أسس نسق للتعلم يقوم على مرتكزات علمية.

واقترح هانس إيبي سنة 1951 إطارًا عمليًا لموضوع الديداكتيك في مؤلفه حول الديداكتيك السيكولوجية، حيث نظر إليها كمجال تطبيقي لنتائج السيكولوجيا التكوينية. وكانت كلمة ديداكتيك تستعمل في بعض السياقات الفرنسية بوصفها نعتًا يرتبط بالتدريس والنقل التلقيني، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى اسم يحيل على علم أو مجموعة حقول معرفية ذات طابع علمي.

ومنذ بداية السبعينيات، ترسخ الاستعمال المؤسساتي والجامعي للكلمة، وتزايدت الأعمال العلمية التي تعلن انتماءها إلى هذا الحقل. وأصبح الاهتمام يتجه إلى مشكلات التدريس، مع انتقال النقاش من الوصف العام إلى تحليل وضعيات التعليم والتعلم والمحتوى وطرائق بنائه.

المرحلة الأولىالديداكتيك بوصفها فنًا أو طريقة للتدريس.
المرحلة الثانيةالديداكتيك بوصفها تطبيقًا لنتائج علم النفس في التعلم.
المرحلة الثالثةالديداكتيك بوصفها مجالًا علميًا يدرس التدريس والتعلم.
المرحلة المعاصرةالديداكتيك بوصفها حقلًا متعدد الأبعاد ينفتح على المادة والمتعلم والمدرس والثقافة والتعقيد.

ثانيًا: مستويان في مفهوم الديداكتيك

يقتضي فهم الديداكتيك التمييز بين مستويين متكاملين، سواء تعلق الأمر بالتربية أو بالبيداغوجيا أو بالديداكتيك.

المستوىما يحيل عليهطبيعتهسؤاله الأساسي
المستوى الأولالممارسات التربوية والبيداغوجية والديداكتيكية.واقع وفعل وتدخل اجتماعي وتربوي.ماذا يحدث داخل وضعية التعليم والتعلم؟
المستوى الثانيالدراسة التحليلية والعلمية لهذا الواقع.بحث ونظرية ونمذجة وبناء مفاهيم.كيف نفهم ونفسر ما يحدث؟

التربية والديداكتيك كفعل

تحيل التربية على فعل يمارس على فرد أو جماعة بهدف إحداث تغيير عميق في الذات وتشكيل السلوك وتوجيهه. أما الديداكتيك، في معناها الأول، فقد تحيل على فن التدريس والتقنيات والطرائق التي تستخدم داخل القسم.

التربية والديداكتيك كدراسة

تحيل علوم التربية والديداكتيك في معناها الثاني على دراسة الواقع التربوي وتحليله وبناء نماذج لفهمه. ومن هنا تظهر المسافة المنهجية بين الممارسة التي تحدث في الواقع، والعلم الذي يدرس هذه الممارسة ولا يعكسها بصورة آلية كما تعكس المرآة الصورة.

أهمية التمييز: يساعد هذا التمييز على عدم الخلط بين الديداكتيك بوصفها ممارسة للتدريس، والديداكتيك بوصفها معرفة علمية تدرس شروط التعليم والتعلم ومشكلاتهما.
إعلان

ثالثًا: الديداكتيك، علم أم نموذج للفعل؟

تطرح الديداكتيك إشكالًا مركزيًا: هل تقتصر على الدراسة العلمية لوضعيات التدريس، أم أنها تطمح أيضًا إلى أن تكون نموذجًا للفعل والتطبيق؟ يرتبط هذا السؤال بعلاقتها بالبيداغوجيا، لأن البيداغوجيا تبحث غالبًا عن نماذج للعمل والتأثير في الواقع، بينما تميل الديداكتيك إلى التحليل العلمي والفهم.

المنظور البيداغوجي

يرتكز المنظور البيداغوجي على التطبيق والعمل، ويستند إلى تصور خاص للإنسان والمجتمع والمعرفة. لذلك نجد بيداغوجيات متعددة، مثل البيداغوجيا التحررية واللاتوجيهية واللامدرسية، وكل واحدة منها تنطلق من فلسفة تربوية وتحاول التأثير في الواقع.

المنظور الديداكتيكي

يستهدف المنظور الديداكتيكي النظر إلى الواقع التربوي من زاوية علمية تكشف عناصره وتفاعلاته وسيرورته. وهو يبدأ بتحليل واقع التدريس وفهمه، ويسعى إلى بناء معرفة مجردة تفسر الظواهر دون أن تدعي وحدها حل جميع المشكلات اليومية.

وجه المقارنةالبيداغوجياالديداكتيك
الغايةالتأثير في الواقع وتغييره وتوجيه الفعل.تحليل واقع التدريس والتعلم وفهمه وتفسيره.
المنطلقتصور فلسفي وقيمي للإنسان والمجتمع والمعرفة.إشكالية علمية ومنهجية مرتبطة بالتدريس والمحتوى.
الموضوعالفعل التربوي والعلاقة التعليمية العامة.وضعيات التعلم والمادة الدراسية وطرق تدريسها.
النتيجةنموذج أو معيار أو استراتيجية للعمل.مفاهيم ونماذج لتفسير الواقع وتبصر مشكلاته.

لا يعني هذا التمييز وجود تعارض مطلق بين المجالين. فقد يجتمع العلم والفعل في شخص واحد، لكن ينبغي التمييز بين لحظة الدراسة العلمية ولحظة التأثير في الواقع، لأن لكل واحدة شروطها ومنطقها.

رابعًا: النموذج الذهني والبحث الديداكتيكي

لا يعكس العلم الواقع بصورة صافية، بل يبني تمثلًا ذهنيًا له بواسطة آليات ومفاهيم ومنهجيات محددة. ويعد النموذج الذهني عند ماكس فيبر من المفاهيم التي تعبر عن هذا التصور؛ فهو ليس الواقع نفسه، ولا فرضية مكتملة، بل بناء نظري يساعد على توجيه الفرضيات وتنظيم الظواهر المتفرقة في لوحة متماسكة.

يساعد النموذج على تلخيص المكونات والعناصر والعلاقات، ويشكل أداة للتفكير وبناء النظريات وشرح ما يحدث والإرشاد إلى استراتيجيات وسياسات تربوية. ومن ثم فإن الديداكتيك، إذا أرادت أن تكون دراسة علمية، تحتاج إلى بناء نماذج نظرية لفهم الشأن التربوي.

مظاهر الحقل الديداكتيكي

المظهر المعرفييهتم بالمادة الدراسية والمعرفة والمحتوى، في مقابل المظاهر العلائقية والمؤسساتية العامة في البيداغوجيا.
المظهر التكنولوجيلا يقتصر على الإعلاميات والوسائل السمعية البصرية، بل يشمل تنظيم الفعل التدريسي وأدواته.
المظهر النسبييتعلق بديداكتيك مادة دراسية معينة، لأن لكل مادة منطقها ومفاهيمها ومناهجها.
المظهر المنهجييتطلب طرح الإشكالية وصياغة الفرضيات وفحصها ودراسة وضعيات التعلم التي يلعب فيها المتعلم دورًا أساسيًا.

تفترض الدراسة الديداكتيكية تداخل تخصصين على الأقل: مادة التدريس أو المادة الموضوع، وتخصص آخر يستعمل أداة للبحث، مثل الإحصاء أو علم النفس أو علم الاجتماع. لذلك فالديداكتيك ليست تخصصًا مغلقًا، بل مقاربة بحثية ذات هوية وإشكاليات ومناهج خاصة.

إعلان

خامسًا: الديداكتيك والقابلية للتربية

لا يشكل التعلم أو المدرسة وحدهما موضوعًا لعلم التدريس، لكنهما أساسيان في بناء نظريته وإنجاز أي تدخل تعليمي. فالتدريس تدخل ديداكتيكي وتربوي يتم داخل وضعيات تعليمية تعلمية، ولا يكون ذا معنى إلا إذا استند إلى نظريات نفسية واجتماعية وثقافية تساعد على فهم المتعلم وشروط تغيره.

يرتبط مفهوم القابلية للتربية بالسؤال عن إمكانية التأثير في المتعلم وتكوين قدراته، لكنه لا يمكن أن يختزل في تفسير واحد. فالتعلم عملية مركبة تتفاعل فيها البنيات الداخلية للفرد مع المحيط الاجتماعي والثقافي والمؤسسة التعليمية.

المجالالسؤال الذي يطرحه على الديداكتيكما ينبغي استحضاره
سيكولوجيا النموكيف تتشكل القدرات العقلية والانفعالية والحركية؟النضج والبنيات الداخلية والتفاعل والتعلم.
سوسيولوجيا التربيةكيف يؤثر الأصل الاجتماعي والمؤسسة في النجاح والفشل؟التفاوتات والرأسمال الثقافي والعلاقات الطبقية.
البعد الثقافيكيف يؤثر السياق الحضاري في المعرفة والتعلم؟خصوصية المجتمع واللغة والقيم والتمثلات.
الإبستمولوجياما طبيعة المعرفة ومناهج إنتاجها؟منطق المادة وتحويل المعرفة إلى معرفة مدرسية.
معيار الاختيار: عندما تتعدد النظريات النفسية والاجتماعية، تصبح القابلية للتربية معيارًا يساعد على اختيار ما يمكن أن يفيد فعل التدريس داخل سياق معين.

سادسًا: سيكولوجيا النمو والتعلم

تظهر في تفسير النمو العقلي والعام للفرد نماذج متعارضة. يرمز نموذج «البلور» إلى أولوية البنيات الداخلية والبرنامج الوراثي، بينما يرمز نموذج «الشرارة» إلى الديمومة والحركية والتنظيم الذاتي وتفاعل الفرد مع المحيط.

النموذجتصوره للنمودلالته على التدخل الديداكتيكي
البلورالنمو كشف عن بنية داخلية وبرنامج فطري، ودور الوسط محدود في إظهارها.يصبح التدخل أقرب إلى الكشف عن البنية الجاهزة.
الشرارةالنمو تنظيم ذاتي وتفاعل مستمر بين البنيات الداخلية والمحيط.يمكن للتدخل أن يدفع الإمكانات الكامنة إلى الظهور.

بياجيه وفيجوتسكي

يرى بياجيه أن المعرفة تتشكل عبر التنظيم الذاتي واكتساب المخططات التي تتطور خلال مراحل النمو، وأن التعلم يتبع ما تسمح به البنيات العقلية في مرحلة معينة. أما فيجوتسكي فينتقد جعل التعلم تابعًا للنمو، ويؤكد أن التعلم قد يسرع النمو عندما يوظف العوامل الاجتماعية والتفاعلات مع الكبار.

ويقترح فيجوتسكي مفهوم «نطاق التعلم الممكن» أو منطقة النمو القريب، حيث يستطيع الطفل بمساعدة الكبار إنجاز ما لا يستطيع إنجازه بمفرده. وبذلك قد يسبق التعلم النمو ويساهم في بناء قدرات جديدة، وهو تصور يفتح إمكانات مهمة أمام التدخل الديداكتيكي.

منظور بياجيهالتعلم مرتبط بنضج البنيات والمراحل، ويحتاج المدرس إلى احترام مستوى التفكير.
منظور فيجوتسكيالتعلم اجتماعي، ويمكن للمساعدة والتفاعل والسقالات أن تستبق النمو.
إعلان

سابعًا: سوسيولوجيا التربية والبعد الثقافي

عالجت نظريات سوسيولوجيا التربية النجاح والفشل الدراسيين من زاوية الأصل الاجتماعي والمؤسسة والعلاقات الطبقية. وقد أظهرت دراسات أن النجاح الدراسي يرتبط في جانب منه بالوضع الاجتماعي والثقافي للأسرة، وبما يمتلكه المتعلم من رأسمال ثقافي ينسجم مع الثقافة المدرسية.

بورديو وباسرون وإعادة الإنتاج

يرى بورديو وباسرون أن الطبقة المهيمنة قد تعيد إنتاج نفسها عبر الثقافة المدرسية، وأن الفعل البيداغوجي قد يفرض دلالات وقواعد ثقافية بواسطة الانتقاء والإقصاء، وهو ما يرتبط بمفهوم العنف الرمزي. وقد انتقد باحثون آخرون هذا التصور القدري، وأكدوا أن للمدرسة قدرة نسبية على التغيير.

برنشتاين وبودون

اهتم برنشتاين بالعلاقة بين أنماط التعبير والبنيات الطبقية وانعكاسها على السلوك المدرسي، بينما ركز بودون على القرارات والتطلعات الفردية في تفسير التفاوت في الفرص التعليمية.

أهمية البعد الثقافي

لا يكفي تفسير التعلم بالعوامل النفسية أو الاجتماعية القريبة، لأن كل تعلم يتم داخل سياق ثقافي وحضاري خاص. فالمعرفة ليست تقنية محايدة أو بناءً نفسيًا فارغًا، بل تتأثر باللغة والقيم والتمثلات والخصوصيات التاريخية للمجتمع.

دلالة تربوية: لا ينبغي استيراد النظريات كما هي، بل توظيفها بوصفها إضاءات تحتاج إلى تكييف وإبداع وفق شروط المجتمع والثقافة وسياق المؤسسة.

ثامنًا: الديداكتيك بين التوجه البيداغوجي العام والتوجه الإبستمولوجي الخاص

انبثقت بيداغوجيا الأهداف في سياق عقلنة التعليم وتنظيم العمل، وركزت على الإنجازات والسلوكات الدقيقة والأهداف القابلة للقياس. وظهرت تصنيفات للأهداف في المجال العقلي والوجداني والحسي الحركي، مع ميل إلى الاشتغال على قدرات يمكن أن تخترق مختلف المواد.

لكن التحولات المهنية والاقتصادية أبرزت أن التكوين لا يمكن أن يقوم على سلوكيات تقنية منفصلة عن المحتوى، وأن الأشخاص يحتاجون إلى قدرات ذهنية تشتغل في وضعيات مختلفة. هكذا ظهرت المقاربة بالكفايات بوصفها جيلًا ثانيًا من بيداغوجيا الأهداف، مع إعادة الاعتبار إلى القدرات والمحتوى.

التوجهمجال التركيزسؤال التخطيط
البيداغوجي العامعمليات التعلم والقدرات المشتركة وطرق الفعل.كيف ننظم الفعل التعليمي بصورة عامة؟
الإبستمولوجي الخاصمنطق المادة وبنيتها ومناهجها وطرق إنتاج المعرفة فيها.كيف تتعلم هذه المادة تحديدًا؟
الديداكتيك الخاصةتخطيط تدريس مادة معينة ومشاكل تعلمها.ما العوائق الخاصة بهذا المحتوى؟

يرتبط التوجه الإبستمولوجي بالمادة في حد ذاتها: طبيعتها وبنيتها ومنطقها ومناهج دراستها. ويرتبط البعد التربوي بكيفية تعليم هذه المادة ومشاكل تعلمها. لذلك لا يمكن فصل التوجهين بشكل مطلق، لأن فهم المحتوى يحتاج إلى معرفة المتعلم وشروط التفاعل، كما أن تطبيق أي بيداغوجيا يحتاج إلى محتوى ذي بنية ومنطق.

إعلان

تاسعًا: إشكالية المحتوى الدراسي

أثار الانتقال من بيداغوجيا الأهداف إلى التركيز على القدرات سؤالًا حول إمكانية تعلم عمليات منطقية ومجردة خارج أي محتوى. ويؤكد الاتجاه الذي يناقشه الملف أن العمليات الفكرية لا توجد مستقلة تمامًا عن المعرفة، بل تعمل داخل سياق معرفي محدد.

يرى فيجوتسكي أن التعلم لا يكون إلا في سياق معرفة ما، وأن ما يمكن نقله بين الحقول ليس قدرات عامة مطلقة، بل قدرات صغرى أو خبرات جزئية قد تشترك فيها بعض المجالات. وقد دعمت تجارب تطبيقية أهمية المحتوى في بناء التعلم، وأظهرت أن المتعلم قد ينجح في استعمال بنية فكرية داخل مادة ولا ينجح في استعمالها داخل مادة أخرى.

الديداكتيك العامة والديداكتيك الخاصة

الديداكتيك العامةتسعى إلى تطبيق مبادئ ونتائج مشتركة على مجموع المواد التعليمية.
الديداكتيك الخاصةتهتم بتخطيط تدريس مادة معينة وبمشكلات تعلم محتوياتها ومناهجها.
البعد الإبستمولوجييهتم بالمادة من حيث طبيعتها وبنيتها ومنطقها ومناهج إنتاج المعرفة فيها.
البعد التربوييهتم بكيفية تعليم المادة وبالعوائق والتمثلات والتفاعلات المرتبطة بتعلمها.

لا يعني نقد التركيز المفرط على المحتويات العودة إلى التلقين، بل يعني النظر إلى المحتوى بوصفه معرفة ومنهجًا وطريقة في التفكير. فالمتعلم لا يكتسب معلومات فقط، بل يتعلم كيف تنتج المادة معرفتها وكيف تستعمل مفاهيمها وأدواتها.

خلاصة الإشكال: المحتوى ليس غلافًا خارجيًا للمهارات، كما أن المهارات لا تعمل في فراغ؛ التعلم الفعال يحتاج إلى تفاعل المحتوى والمنهج والقدرات والوضعية.

عاشرًا: من نظريات التعلم إلى المقاربة الديداكتيكية وتجاوز التبسيط

تكتسي المقاربة الديداكتيكية أهميتها لأنها تعيد الاعتبار إلى المعرفة العلمية داخل العلاقة التعليمية. وهي لا تختزل المحتوى في حقائق جاهزة، بل تنظر إليه من زاوية منهجية ترتبط بكيفية إنتاج المعرفة في علم معين، وكيفية تحويلها إلى معرفة مدرسية، وكيف يتمثلها المتعلم.

مقاربات تفسير التعلم

المقاربةتركيزهاحدود الاختزال
السلوكيةالسلوك الملاحظ والعلاقة بين المنبه والاستجابة والتكيف والتعزيز.قد تختزل المتعلم في استجابة آلية للعوامل الخارجية.
السيكولوجيا المعرفيةالعمليات العقلية والتمثلات ومعالجة المعلومات وحل المشكلات.قد تهمل شروط التفاعل الاجتماعي والمحتوى والثقافة.
مقاربة النموتطور البنيات العقلية والتفاعل بين النمو والتعلم، عند بياجيه وفيجوتسكي.قد يبالغ أحد الاتجاهين في العوامل الداخلية أو الخارجية.
المقاربة الديداكتيكيةالعلاقة بين المدرس والمتعلم والمعرفة العلمية ومنطق المادة.تدعو إلى دمج الأبعاد بدل اختزال التعلم في عامل واحد.

براديغم التعقيد

لا يحيل التعقيد على استحالة فهم الظواهر، بل على تجاوز البراديغم التبسيطي الذي يرد الظواهر إلى أسباب خطية وحتميات مغلقة. فالواقع التربوي يتشكل من أنظمة وعلاقات وتفاعلات واحتمالات، ولا يمكن فهمه من خلال تفسير أحادي.

مبدأ تكامل الأضدادالنظام واللانظام أو الصراع والتكامل قد يتعارضان ويتكاملان في الوقت نفسه.
المبدأ الارتداديقد تصبح النتائج أسبابًا جديدة تؤثر في العناصر التي أنتجتها، فلا تسير العلاقة في خط واحد.
مبدأ الاشتمال أو الهولوغرامالجزء ليس مجرد جزء من الكل، بل قد يتضمن صورة من الكل وعلاقاته.
منطق الاحتماللا يمكن اختزال التعلم في حتمية منبه واستجابة، لأن السياقات والأفراد والنتائج متغيرة.

نقد الأساس المعرفي للمنظومة التربوية

ينبه منظور التعقيد إلى أن المدرسة قد تهتم بنقل المعرفة دون أن تسأل بما يكفي: ما المعرفة؟ وكيف تبنى؟ وكيف تترجم الواقع؟ كما أن فصل المواد والتخصصات قد يضعف قدرة المتعلم على تنظيم المعلومات داخل سياقها وربط المحلي بالكوني والكوكبي.

ويقتضي ذلك بناء فكر يضع المعلومات في سياقها، ويربط بين التخصصات، ويعترف بأن المعرفة إعادة بناء للواقع وليست نسخة مطابقة له. ومن هنا تبرز ضرورة أن تراجع الديداكتيك نماذجها باستمرار وأن تنفتح على تعدد العوامل والسياقات.

إعلان

خلاصة مركزة وأسئلة للمراجعة

خلص الملف إلى أن الديداكتيك تتحرك بين مستويين: مستوى الممارسة التعليمية، ومستوى الدراسة العلمية لهذه الممارسة. وهي تميل نظريًا إلى إنتاج المعرفة والنماذج، لكنها تقترب عمليًا من البيداغوجيا عندما تستثمر نتائجها في التأثير في الواقع.

كما أبرز أن الديداكتيك لا يمكن أن تنفصل عن سيكولوجيا النمو وسوسيولوجيا التربية والبعد الثقافي، ولا عن الإبستمولوجيا الخاصة بكل مادة. ولذلك فإن اختيار نظرية أو نموذج لا يتم بشكل آلي، بل ينبغي أن يخضع لمدى قابليته للتربية وملاءمته للسياق.

وتؤكد المقاربة الديداكتيكية أن المحتوى العلمي ومنهج إنتاجه عنصران أساسيان في التعلم، وأن النظر إلى المتعلم أو المدرس أو المادة منفصلًا يؤدي إلى اختزال الظاهرة. أما براديغم التعقيد فيساعد على تجاوز التفسير الأحادي، واستحضار التفاعل بين المدرس والمتعلم والمعرفة والمؤسسة والمجتمع والثقافة.

السؤالالإجابة المختصرة
ما الديداكتيك؟دراسة علمية لوضعيات التعليم والتعلم ولمحتويات التدريس وطرقه، ومقاربة تتأمل طبيعة المادة والفعل البيداغوجي.
ما الفرق بين الديداكتيك والبيداغوجيا؟البيداغوجيا تميل إلى نماذج الفعل والتأثير، بينما تركز الديداكتيك على تحليل التدريس والتعلم والمحتوى، مع وجود تداخل بينهما.
ما المستويان في مفهوم الديداكتيك؟مستوى الممارسة والفعل، ومستوى الدراسة العلمية والتحليل والنمذجة.
ما معنى القابلية للتربية؟إمكان التأثير في المتعلم وتكوين قدراته، ضمن تفاعل النمو والتعلم والمحيط الاجتماعي والثقافي.
ما الفرق بين بياجيه وفيجوتسكي؟يميل بياجيه إلى جعل التعلم تابعًا لنضج البنيات، بينما يؤكد فيجوتسكي أن التعلم الاجتماعي قد يسبق النمو ويدفعه.
ما المقصود بالتوجه الإبستمولوجي الخاص؟الاهتمام بطبيعة المادة وبنيتها ومنطقها ومناهج إنتاج المعرفة فيها ومشكلات تعلمها.
ما مبادئ التعقيد عند موران؟تكامل الأضداد، والمبدأ الارتدادي، ومبدأ الاشتمال أو الهولوغرام.
لماذا لا تكفي النظرة التبسيطية؟لأن التعلم ظاهرة مركبة تتداخل فيها المعرفة والنمو والعلاقات الاجتماعية والثقافة والمؤسسة والسياق.
نصيحة للمراجعة: احفظ التعريفات والقضايا الأربع، ثم اربط كل قضية بالمقارنة المناسبة: الديداكتيك والبيداغوجيا، بياجيه وفيجوتسكي، العام والخاص، التبسيط والتعقيد.

تحميل ملف مفهوم الديداكتيك: قضايا وإشكالات

حمّل الملف الكامل للاستفادة منه في دراسة علوم التربية والديداكتيك والتحضير للامتحانات والمباريات.

⇩  اضغط هنا لتحميل الملف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحميل كتاب دليل الدعم التربوي لمادة الاجتماعيات – الثالثة إعدادي (PDF)

تحميل ملف الاشتغال على الوثائق في مادة الاجتماعيات – دليل منهجي لأساتذة الاجتماعيات تاريخ وجغرافية pdf

تحميل ملخص شامل للسنة الثالثة ثانوي إعدادي في مادة الاجتماعيات (PDF)